ابن كثير
123
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله جل جلاله : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي ظاهرون بأدون كلهم لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم ولهذا قال : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ أي الجميع في علمه على السواء . وقوله تبارك وتعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ قد تقدم في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر ، أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ وفي حديث الصور أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له حينئذ يقول لمن الملك اليوم ؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أي الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن غالب الدقاق حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر عن أبيه حدثنا أبو نضرة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال وينزل اللّه عز وجل إلى السماء الدنيا ويقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . وقوله جلت عظمته : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى : لا ظُلْمَ الْيَوْمَ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - إلى أن قال - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه تبارك وتعالى ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » « 1 » وقوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة كما قال جل وعلا : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ لقمان : 28 ] وقال جل جلاله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) يوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ [ النجم : 57 - 58 ] وقال عز وجل : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر : 1 ] وقال جل وعلا : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [ الأنبياء : 1 ] وقال :
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 55 ، وأحمد في المسند 5 / 160 .